أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15) .
أعرب - جلَّ جلالُه - عما تقدم ذكره من التأويل، الإنسان لا بد ناسي، فإذا ذُكَر ذَكر، فهم إذا ذُكروا بآيات ربهم من
سجود الموجودات وسجود الأئمة - عليهم السلام - كالملائكة والنبيين
والمرسلين ذَكروا فسجدوا، وسارعوا إلى ذلك أو أمروا بالسجود أطاعوا ليس
كالمبلس الملعون (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34) .
أتبع ذلك من نعتهم قوله - جل ذكره: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ...(16)
التجافي: الترفع، جَفَا الزبَذ: ارتفع، وجفاني فلان: ترفع عليَّ وهجرني فعلاً أو قولاً،
وهي هاهنا عبارة عن قيام الليل مجازًا، يهجرون مضاجعهم لأجلي، ويستصحبون
ذلك ويداومون عليه، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(16)
هذا في مقابلة الإباء والاستكبار والتجلي، وقيام الليل عمل يعم نفعه
عامله، ومن أنفق مما رزقه الله فقد أفاض من نفعه على من سواه فهو كمال، فلذلك
ما قرن الله الصلاة بالزكاة في غير ما موضع، فأكمل الله لهم ثوابه ورفع ما رزقهم
فوق العلم، وأربى ما آتاهم على الأماني.
يقول الله - جل من قائل: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)
كانت أعمالهم بالفرائض جهرًا صلاةً وزكاةً وصيامًا
وحجًا وشهادةً، وكان قيام الليل وصدقات قدموها وأذكار التزموها وأعمال
احتسبوها سرًا، فأثابهم على ذلك فيما هنالك مثالات ومسميات مما عهدوه خيرًا
وأبقى، وأثابهم أيضًا ما لم يعهدوا له مثالاً، ولا سمعوا له باسم، ولا خطر لهم ببال،
أسروا كما جهروا، فأسر لهم كما جهر (جَزَاءً وِفَاقًا(26) . صدق الله وبلغت
رسله، والحمد لله رب العالمين.
قوله - عز وجل -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ)