الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ؟
وَعَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ فِي ذَلِكَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ، بِمَعْنَى: أَوَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ إِهْلَاكَنَا الْقُرُونَ الْخَالِيَةَ مِنْ قَبْلِهِمْ، سُنَّتُنَا فِيمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِآيَاتِنَا، فَيَتَّعِظُوا وَيَنْزَجِرُوا.
وَقَوْلُهُ {كَمْ} إِذَا قُرِئَ {يَهْدِ} بِالْيَاءِ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ {يَهْدِ} .
وَأَمَّا إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ بِالنُّونِ «أَوَ لَمْ نَهْدِ» فَإِنَّ مَوْضِعَ {كَمْ} وَمَا بَعْدَهَا نَصْبٌ.
وَقَوْلُهُ: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَمْشُونَ فِي بِلَادِهِمْ وَأَرْضِهِمْ، كَعَادٍ وَثَمَودَ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي خَلَاءِ مَسَاكِنِ الْقُرُونِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِهَا الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَهَا وَعُمَّارَهَا بِإِهْلَاكِنَا إِيَّاهُمْ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُلَنَا وَجَحَدُوا بِآيَاتِنَا، وعَبْدُوا مِنْ دُونَ اللَّهِ آلِهَةً غَيْرَهُ الَّتِي يَمُرُّونَ بِهَا فَيُعَايِنُونَهَا لَآيَاتٍ لَهُمْ وَعِظَاتٍ يَتَّعِظُونَ بِهَا، لَوْ كَانُوا أُولِي حِجًا وَعُقُولٍ. يَقُولُ اللَّهُ: {أَفَلَا يَسْمَعُونَ} عِظَاتِ اللَّهِ وَتَذْكِيرَهُ إِيَّاهُمْ آيَاتَهُ، وَتَعْرِيفَهُمْ مَوَاضِعَ حُجَجِهِ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) }