يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالنَّشْرِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، أَنَّا بِقُدْرَتِنَا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْيَابِسِةِ الْغَلِيظَةِ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا؛ وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلُهِمْ: نَاقَةٌ جُرُزٌ: إِذَا كَانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْجُرُوزُ: الَّتِي لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِهَا شَيْءٌ إِلَّا أَفْسَدَتْهُ نَظِيرَ أَكْلِ النَّاقَةِ الْجُرَازِ كُلَّ مَا وَجَدَتْهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْإِنْسَانِ الْأَكُولِ: جُرُوزٌ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
خَبٌّ جُرُوزٌ وَإِذَا. .
وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّيْفِ إِذَا كَانَ لَا يُبْقِي شَيْئًا إِلَّا قَطَعَهُ: سَيْفٌ جُرَازٌ، فِيهِ لُغَاتٌ أَرْبَعٌ: أَرْضٌ جُرُزٌ، وَجُرْزٌ، وَجَرْزٌ وَجَرُزٌ، وَالْفَتْحُ لِبَنِي تَمِيمٍ فِيمَا بَلَغَنِي.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ" {إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} قَالَ: الْجُرُزُ: الَّتِي لَا تُمْطَرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا، إِلَّا مَا يَأْتِيهَا مِنَ السُّيُولِ"
{فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَنُخْرِجُ بِذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي نَسُوقُهُ إِلَيْهَا عَلَى يَبْسِهَا وَغِلَظِهَا وَطُولِ عَهْدِهَا بِالْمَاءِ زَرْعًا خَضِرًا تَأْكُلُ مِنْهُ مَوَاشِيهِمْ، وَتُغَذَّى بِهِ أَبْدَانُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ فَيَعِيشُونَ بِهِ.
{أَفَلَا يُبْصِرُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِأَعْيُنِهِمْ فَيَعْلَمُوا بِرُؤْيَتِهُمُوهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيَّ أَنْ أُحْيِيَ بِهَا الْأَمْوَاتَ وَأَنْشُرَهُمْ مِنْ قُبُورَهُمْ، وَأُعِيدَهُمْ بِهَيْئَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْلَ وَفَاتِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَيَقُولُونَ} هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَكَ {مَتَى هَذَا الْفَتْحُ} وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَتَى يَجِيءُ هَذَا الْحُكْمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَمَتَى يَكُونُ هَذَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.