فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين،
واتباعه ما يوحى الله إليه تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم
ذكره في سورة السجدة، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"
ولما تحصل من السورتين قبل (ما يَعقب العاِلمَ من الخوف أشده لغيبة العلم بالخواتم، وما جرى في السورتين من الإشارة إلى السوابق"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا"كان ذلك مظنة
لتيئيس نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وصالحي أتباعه، فلهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة
المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجرى على المعهود من لطفه تعالى وسعة
رحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه بالتقوى وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة، وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله
وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر ورد عقب تخويف وإنذار بيان كان عليه السلام قد نَزه الله قدره عن أن يكون منه خلاف التقوى وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعَلي منصبه ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص إلا مدحٌ من محمود صفاتهم ومنه:"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ الآية"
فذكره باسم الرسالة، ومهما كان الأمر أو النهي عدل في الغالب إلى الأعم ومنه"يا أيها النبي اتق الله"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء"يا أيها النبي لِم تحرم ما أحل الله لك""
"يا أيها النبيء إذا جاءك المؤمنات"،