ثم عاب من تخلَّف بالمدينة بقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة} أي: قُدوة صالحة.
والمعنى: لقد كان لكم به اقتداءٌ لو اقتديتم به في الصبر [معه] كما صبر يوم أُحُد حتى كُسِرت رَباعِيَّتُه وشُجَّ جبينه وقُتِل عمُّه، وآساكم مع ذلك بنفسه.
وقرأ عاصم: {أُسوةٌ} بضم الألف؛ والباقون بكسر الألف؛ وهما لغتان.
قال الفراء: أهل الحجاز وأَسَد يقولون: {إِسوة} بالكسر، وتميم وبعض قيس يقولون: {أُسوة} بالضم.
وخَصَّ اللّهُ تعالى بهذه الأُسوة المؤمنين، فقال: {لِمَن كان يرجو الهل واليوم الآخر} والمعنى أن الأسوة برسول الله إِنما كانت لِمَن كان يرجو الله {واليوم الآخر} ؛ وفيه قولان.
أحدهما: يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس.
والثاني: يخشى اللّهَ ويخشى البعث، قاله مقاتل.
قوله تعالى: {وذَكَرَ اللّهَ كثيراً} أي: ذِكْراً كثيراً، لأن ذاكر الله متَّبِع لأوامره، بخلاف الغافل عنه.
ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعَدَنا اللّهُ ورسولُه} وفي ذلك الوعد قولان.
أحدهما: أنه قوله: {أم حَسِبتم أن تدخلوا الجَنَّة ولَمَّا يأتكم مَثَل الذين خَلَوا مِنْ قَبْلِكم ...} الآية: [البقرة: 214] فلمَّا عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللّهُ ورسولُه، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين.
والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم النصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحِيرة، ذكره الماوردي وغيره.
قوله تعالى: {وما زادهم} يعني ما رأوه {إِلاَّ إِيماناً} بوعد الله {وتسليماً} لأمره.
قوله تعالى: {مِنَ المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه}
اختلفوا فيمن نزلت على قولين.
أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك.