(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «الأحزاب»
1 -قال تعالى: (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الآية 4] .
يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهّر، وهو أن يقول لها: أنت عليّ كظهر أمّي. وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهليّة بهذا اللفظ، فلمّا جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفّارة على من ظاهر من امرأته.
أقول: وهذا شيء من إفادة العربية من أعضاء الجسم في توليد هذا المصطلح. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ [الآية 26] .
أي: أعانوهم.
أقول: وهذه «المظاهرة» الّتي تعني الإعانة والمساعدة، ليست بعيدة عن الأصل، الّذي ولّدت منه، وهو «الظهر» كأن الإعانة في هذا الفعل أن تكون «ظهيرا» ، أي: مساعدا لغيرك.
2 -وقال تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10) .
أقول: والوجه في العربية أن يقال:
وتظنّون بالله الظنون، لمكان الألف واللام في الكلام، ولا تأتي ألف الإطلاق إلّا مع النكرة.
ولم يلجأ إلى هذا إلّا لمراعاة الفواصل، لتجيء عدّة الآيات على نسق متجانس في الكلم وفي الأبنية.
3 -وقال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الآية 18] .
والْمُعَوِّقِينَ في الآية هم المثبّطون
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم المنافقون.
أقول: والمعوّق في عصرنا من كان به عاهة جسميّة، كالعرج والعضب في رجله ويده، وهو غير الأعمى والأبكم.
4 -وقال تعالى: (فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [الآية 19] .
وقوله تعالى: (سَلَقُوكُمْ، أي:
آذوكم بالكلام.
وأصل السّلق شدّة الصوت، وهو الصّلق أيضا.
أقول: والسّلق بالألسنة الحداد ممّا نعرفه في العربية الدّارجة بهذا المعنى، ولكنّ الكلام الحادّ يكون في غيبة الرّجل.
5 -وقال تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الآية 32] .
أي: لستنّ كجماعة واحدة من جماعات النّساء، فجعلت الجماعة كأنّها واحد بإزاء الجماعات الأخرى، ومثله قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء: 152] .
يريد بين جماعة واحدة منهم.
6 -وقال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الآية 33] .
وقوله تعالى: (قَرْنَ وأصله أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها.