فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 353448 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة السجدة

{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) }

وقد ذكر البلاغيون من شواهد هذه الخصوصية - أعني: إرادة العموم عند التعبير بضمير المخاطب - قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} (السجدة: 12) المراد بالخطاب هنا كل من يتأتى منه الرؤية للإشارة إلى أن حالة المجرمين في ذلك اليوم من تنكيس الرء وس خوفًا وخجلًا ورثاثة الهيئة واسوداد الوجه؛ وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان المفادة من التصريح بتنكيس الر ؤ وس، ومن حذف جواب"لو"في الآية الكريمة، قد تناهت في الظهور والاتضاح والفظاعة لأهل المحشر، فلا يختص بها راء دون راء، بل كل من يتأتى منه الرؤيا داخل في الخطاب، بحيث لا يُختص بهذا الخطاب مخاطبٌ دون مخاطب ٍ.

وهذا معنى العموم الذي هو نكتة العدول بالخطاب عن أصل وضعه، وفي هذا التعميم المشعر بظهور حال المجرمين ظهورًا واضحًا، إشارةٌ أيضًا إلى التنفير والتحذير من سلوك المجرمين الذي أدَّى بهم إلى هذا المصير.

ومن قبيل العدول بضمير المخاطب عن أصل وضعه للعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) )، فليس المراد بالمخاطبين هنا جماعة معينين، وإنما المراد كل فرد من المسلمين يتأتى منه التبشير هو مأمور أن يبشر هؤلاء المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، وفي ذلك نهاية التكريم لهم وغاية الرضا عنهم.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) }

انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} (الكهف: 57) ثم تأمل مع ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} (السجدة: 22) ، تجد أن سياق الآية الأولى يتحدث عن الكفرة الذين ما زالوا يَحيون يعاندون ويكابرون ويرفضون قبول الهداية: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف: 57) فهؤلاء يُعرضون عن الآيات فور تذكيرهم بها؛ ولذا ناسب العطف بالفاء التي تفيد التعقيب {ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} .

أما سياق الآية الثانية فيتحدث عن المجرمين الذين انتهت حياتهم وماتوا على الكفر: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} (السجدة: 20، 21) فهؤلاء قد استمر تذكيرهم في الدنيا بالآيات، وامتدّ زمانًا بعد زمان، ثم أعرضوا عنها إعراضًا نهائيًّا بالموت، وهذا يلائمه العطف بـ ثم التي تفيد الامتداد والتراخي. وبهذا يتضح أن العطف بغير الواو يكمن وراءه من الدقائق والأسرار واللطائف ما ينبغي إظهاره وتجليته، ولا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت