وقال موسى لفرعون {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادي أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين:
أحدهما الصبر والثاني متولد عنه من العلم والعمل.
(الاعتبار الرابع)
أن النفس لها قوتان قوة الإقدام وقوة الاحجام وهي دائما تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصي الله وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر
الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا}
وفي الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه
"اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهى إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك"
فلا تجد المؤمن أبدا إلا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر.
(الاعتبار السادس)
أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والآخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الإيمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر.
(الاعتبار السابع)
أن العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجري عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر.
ففعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور، والصبر على المقدور هو الصبر.
(الاعتبار الثامن)