{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) }
(فصل)
وَتسَمى ريَاح الرَّحْمَة الْمُبَشِّرَات، والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح الْعَذَاب العاصف والقاصف وهما فِي الْبَحْر والعقيم والصرصر وهما فِي الْبر وَإِن شَاءَ حركه بحركة الْعَذَاب فَجعله عقيما وأودعه عذَابا اليما وَجعله نقمة على من يَشَاء من عباده فَيَجْعَلهُ صَرْصَرًا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عَلَيْهِ وَهِي مُخْتَلفَة فِي مهابها فَمِنْهَا صبا ودبور وجنوب وشمال وَفِي مَنْفَعَتهَا وتأثيرها أعظم اخْتِلَاف فريح لينَة رطبَة تغذي النَّبَات وأبدان الْحَيَوَان وأخرى تجففه وأخرى تهلكه وتعطبه وَأُخْرَى تشده وتصلبه وَأُخْرَى توهنه وتضعفه.
وَلِهَذَا يخبر سُبْحَانَهُ عَن ريَاح الرَّحْمَة بِصِيغَة الْجمع لاخْتِلَاف مَنَافِعهَا وَمَا يحدث مِنْهَا فريح تثير السَّحَاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذي النَّبَات، وَلما كَانَت الرِّيَاح مُخْتَلفَة فِي مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها وَيبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة، وَأما ريح الْعَذَاب فَإِنَّهُ ريح وَاحِدَة ترسل من وَجه وَاحِد لإهلاك مَا ترسل بإهلاكه فلاتقوم لَهَا ريح أخرى تقَابلهَا وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش الْعَظِيم الَّذِي لَا يقاومه شَيْء يدمر كل مَا أتى عَلَيْهِ وَتَأمل حِكْمَة الْقُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذَا فِي الْبر، وَأما فِي الْبَحْر فَجَاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الْوَاحِد كَقوله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكَان}