(فصل: من بليغ ما قيل في الشيب)
قال أسامة بن منقذ:
قول الشاعر:
يا للّيالي، قد فعلن بلمّتي ... عجبا! ومن أفعالها يتعجّب
كتبت بأبيض في سواد وإنّما ... عهدي بأسود في بياض يكتب
وقال الآخر:
عرض المشيب بعارضيّ فأعرضوا ... وتقوّضت خيم الشّباب فقوّضوا
فكأنّ في اللّيل البهيم تبسّطوا ... خفرا وفي الصّبح المنير تقبّضوا
ولقد رأيت فهل سمعت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض؟!
وقال الأفوه الأوديّ:
إن تري رأسي فيه نزع ... وشواتي خلّة فيها دوار
أصبحت من بعد لون واحد ... وهي لونان وفي ذاك اعتبار
وصروف الدّهر في أطباقه ... خلفة فيها ارتفاع وانحدار
بينما النّاس على عليائها ... إذ هو وافي هوّة منها فغاروا
ولياليه إلال للفتى ... دانيات تختليه وشفار
إنّما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
حتم الدّهر علينا أنّه ... ظلف ما نال منّا وجبار
وقال الآخر:
يا من لشيخ قد تخدّد لحمه ... أبلى ثلاث عمائم ألوانا:
سوداء حالكة وسحق مفوّف ... وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا
قصر اللّيالي خطوه فتدانى ... وحنون قائم ظهره فتحانى
والموت يأتي بعد ذلك كلّه ... وكأنّ ما قد كان لم يك كانا
وقال والدي مجد الدّين أبو سلامة مرشد بن عليّ بن مقلّد بن نصر بن منقذ رحمه الله:
إنّ اللّيالي أنذرت بفراق من ... أهوى ووالت رسلهنّ حثاثا
ألبسنني من كلّ لون صبغة ... قسمت حياتي بينها أثلاثا:
لونا غدافيّا ولونا أشهبا ... أضحت حبال العيش منه رثاثا
وأتت بلون بعد ذلك ناصع ... عادت قواي لنقضه أنكاثا
إنّي لأحسد بعد طول تلهّف ... وتأسّف من يسكن الأجداثا
وعمرت فردا في الأنام فلا أرى ... إلّا أمرءا عن هفوتي بحّاثا
وللشيخ أبي العلاء بن سليمان التّقدّم في هذا المعنى بقوله:
واها لرأسك زال أدهمه ... عنه وأشهبه وأرقطه
وأعاده مثل اللّجين مدى ... قد كان قبل به ينقّطه
بل ليت شعري حين يرتحل ال ... جون المودّع أين مسقطه؟!
وقال عبد الله بن المعتز رحمه الله:
رقد الخليّ لأنّه خلو ... عمّن يؤرّق عينه الشّجو
وإذا المشيب رمى بوهنته ... وهت القوى وتقارب الخطو
وإذا استحال بأهله زمن ... كثر القذى وتكدّر الصّفو
سبحان من يعصى بأنعمه ... فيكون منه السّتر والعفو
أنشدنا الهذيل وزير جوش بك أون به صاحب الموصل بحصن شيزر سنة تسع وخمس مائة في دار والدي رحمه الله لبعض شعراء خراسان: