قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}
أي: راجعين إليه بالتوبة والإنابة: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عِمْرَان: 135] ، وهو حال من فاعل الزموا، المقدر ناصباً لـ: {فِطْرَةَ} أو من فاعل: {أَقِمْ} على المعنى؛ إذ لم يرد به واحد بعينه , أو لأن الخطاب له صلّى الله عليه وسلم، ولأمته، أو على أنه على حذف المعطوف عليه؛ أي: أقم أنت وأمتك، والحال من الجميع: {وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} أي: جعلوه أدياناً مختلفة، لاختلاف أهوائهم: {وَكَانُوا شِيَعاً} أي: فرقاً: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: كل حزب منهم فرح بمذهبه، مسرور، يحسب باطله حقاً.
قال القاشاني: يعني المفارقين الدينَ الحقيقي، المتفرقين شيعاً مختلفة، كل حزب عند تكدّر الفطرة، وتكاثف الحجاب، يفرح بما يقتضيه استعداده من الحجاب، لكونه مقتضى طبيعة حجابه، فيناسب حاله من الاستعداد العارضي، وإن لم يلائم الحقيقة بحسب الاستعداد، ولهذا يجب به التعذيب عند زوال العارض.
ثم احتج عليهم برجوعهم إليه عند الشدائد، ممايحمل أن يرجع إليه بعبادته دائما، بقوله سبحانه:
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} أي: شدة: {دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: راجعين إليه وحده دون شركائهم: {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً} أي: خلاصاً من تلك الشدة: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} أي: بالسبب الذي آتيناهم الرحمة من أجله، وهو الإنابة، واللام للعاقبة. وقيل: للأمر التهديدي، كقوله تعالى: {فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: عاقبة تمتعكم ووباله.