[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(باب في الشيب ومدحه)
قال ابن عبد البر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة".
قال جعفر الخواص: رأيت يحيى بن أكثم في النوم، فقلت ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه فسألني وناقشني، وقال: يا شيخ السوء! لولا شيبتك لأدخلتك النار - رددها ثلاثاً - فقلت: يا رب! ما هكذا حدثني عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، عن نبيك، عن جبريل، عنك. قال: وما هو؟ قلت:"حدث أنه من شاب شيبةً في الإسلام لم تحرقه بالنار"، فقال الله عز وجل:"صدق عبد الرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهري، وصدق أنس، وصدق نبي، وصدق جبريل؟ انطلقوا به إلى الجنة".
وقال أبو موسى الزمن: رأيت أبا الوليد الطيالسي في النوم فقلت: يا أبا الوليد، أليس قدمت؟ قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك. قال: غفر لي ورحمني وطيبني بيده، وقال: هكذا أفعل بأبناء الخمسين والسبعين.
وممن مدح الشيب من الشعراء الفرزدق، حيث يقول:
تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما خير ليلٍ ليس فيه نجوم
وقال أبو هفان:
تعجبت هند من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السدف
وزادها عجباً أن رحت في سملٍ ... وما درت هند أن الدر في الصدف
وقال دعبل:
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبي نظم در زاهرٍ ... في تاج ذي ملكٍ أغر متوج
وقال أيضاً:
أحب الشيب لما قيل ضيف ... لحبي للضيوف النأزلينا
لمحمد بن عبد الملك الزيات:
وعائبٍ عابني بشيبي ... لم يعد لما ألم وقته
فقلت إذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته
وقال آخر:
لا يرعك المشيب يا بنة عبد الله ... فالشيب جلة ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
ولأبي الفتح البستي:
ما استقامت قناة رأيي إلا ... بعدما عوج المشيب قناتي
ولدعبل بن علي:
تعجبت أن رأت شيبي فقلت لها: ... لا تعجبي من يطل عمر به يشب
شيب الرجال لهم زين وتكرمة ... وشيبكن لكن الويل فاكتئبي
فينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب
وقال أبو الحسن علي بن محمد السهواجي، وسهواج بلدة من أعمال مصر:
ومما زاد في طول اكتئابي ... طلائع شيبتين ألمتابي
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حب التصابي
وأما أختها فكففت عنها ... لتشهد بالبراء من الخضاب
فيا عجباً لذلك من مشيبٍ ... أقمت به الدليل على الشباب