[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(باب البكاء على ما مضى من الأزمان والتلهف على صالح الإخوان، والحنين إلى الأوطان)
قال ابن عبد البر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر:"فكيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم"؟
قيل لبعض الحكماء: بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار؟
قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
روى أبو العلاء زكريا بن يحيى بن خلاد، عن الأصمعي، قال: قال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من أزمانه.
روى عروة عن عائشة: أنها تمثلت بقول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب
يتحدثون ملالة وخيانةً ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
ثم قالت: كيف لو أدرك لبيد زماننا هذا؟
قال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا هذا؟.
بلغ ابن عباس قول عائشة: رحم الله لبيداً، لو أدرك زماننا هذا؟ فقال ابن عباس: رحم الله لبيداً ورحم عائشة، لقد أصبت باليمين سهما في خزائن عاد، كأطول ما يكون من رماحكم هذه، مريشٌ مفوق مكتوب عليه:
فهل لي إلى أجبال هند بذي اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا ونحن نحبها ... إذ الناس ناسٌ والبلاد بلاد
قال أبو العتاهية:
لله أزمنة عهدت رجالها ... في النائبات وإنهم لكرام
ماذا أقول لوافد الزمن الذي ... هلك الأرامل فيه والأيتام
زمن هوت أعلامه وتقطعت ... فرقاً فليس لأهله أعلام
زمن مكاسب أهله مدخولةٌ ... جداً فروع أصوله الآثام
زمن تحامى المكرمات سراته ... حتى كأن المكرمات حرام
روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخلت عليه عجوز وهو في بيت عائشة، فأكرمها وقربها ووصلها، فقالت له عائشة: من هذه العجوز؟ فقال:"كانت تأتينا وتزورنا أيام خديجة، وحفظ العهد من الإيمان".
وقال آخر:
ذهب الزمان برهط حسان الألى ... كانت مناقبهم حديث الغابر
وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم ... فطس الأنوف من الطرز الآخر
وقال آخر:
مضى الذين إذا ما جئت أسألهم ... قالوا برحبٍ على العينين والرّاس
وقد بقيت بأوغادٍ أكابرهم ... ليسوا بناسٍ بل أشباه نسناس
وقال عتيبة الأعور:
ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قو ... مٍ فيهم كلبٌ يسبّه