قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ(26)
قوله: (منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عليه) .
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: منقادون لفعله. لفظة الْفعْل إشَارَة إلَى الْمَعْنَى المجازي للأمر في قوله: (بأمره)
قوله ولذلك قيل الهاء للخلق. أي ولأجل أن التَّفْضيل المُسْتَفَاد من صيغة أهون إنما
هو بالنسبة إلَى قدر العباد والْقيَاس عَلَى أصولهم. قيل إن الضَّمير المجرور في عليه عائد إلَى الخلق
الْمَذْكُور في قوله: (وهو الذي يبدأ الخلق) والْمَعْنَى والإعادة أسهل عَلَى الخلق من
البدء أي تفاوت الإعادة من البدء في مراتب السهولة إنما هُوَ بالنسبة إلَى الخلق والْقيَاس إلَى
أصولهم وطورهم، وإلا فلا تفاوت بَيْنَهُمَا بالنسبة إلَى الخلق لتساوي قدرته عليهما ولكون أول
الْفعْل عندهم أصعب من الإعادة. قَالُوا في المثل: أول الغزو أخرق. أي أدهش وأخوف يضرب لمن
لم يتعود ولم يتمرن في فعل وأخطأ في بدائه قال الشاعر:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فُتَيَّةً ... تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اسْتَعَرَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ... عَادَتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ خَلِيلِ
وتحقيقه أن الإنسان العاجز الضعيف لا يطيق حمل معاني الْحكْمَة الْإلَهيَّة وأسرار الربوبية؛ إذ
لو كوشفوا بعضها لاضمحلت قواهم وتلاشت عقولهم ولله در الإمام حجة الْإسْلَام، وقوله في
الإحياء: لا طاقة للبشر أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس ولكنهم ينالون منها ما تحيا به
أبصارهم ويستدلون به عَلَى حوائجهم فقط. وقد تأنق بعضهم في التَّعْبير عن وجه اللطف في اتصال
معاني كلام الله المجيد مع علو درجته إلَى فهم الْإنْسَان مع قصور رتبته وضرب له مثلًا وقال إنا
رأينا النَّاس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يُريدُونَ من تقديمها وتأخيرها ورأوا
الدواب بقصر عن فهم كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه وترتيبه نزلوا إلَى درجة تمييز