ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
قَوله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) }
«فإنْ قيلَ» : قَالَ: {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} وهم غلبوا وَلم يغلبوا؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر غلبتهم، وَالْمرَاد مِنْهُ غَلَبَة غَيرهم عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا أضَاف الْغَلَبَة إِلَيْهِم لاتصال تِلْكَ الْغَلَبَة بهم، واتصال الْغَلَبَة بهم وُقُوع الْغَلَبَة عَلَيْهِم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {ويطعمون الطَّعَام على حبه} وَالطَّعَام لَا يكون صَاحب الْحبّ، وَإِنَّمَا الْإِنْسَان هُوَ صَاحب الْحبّ، وَلَكِن إِضَافَة إِلَى الطَّعَام لاتصال الْحبّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد} وَالْمقَام للْعَبد إِلَّا أَنه أَضَافَهُ إِلَى الله؛ لِأَنَّهُ يقوم بَين يَدي الله، فيتصل بِاللَّه من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) }
«فإنْ قيلَ» : إِذا حملنَا الْقُنُوت على الطَّاعَة فَلَيْسَ كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض يطيعونه؟
وَالْجَوَاب: أَنه لَيست الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى طَاعَة الْعِبَادَة، إِنَّمَا الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى الانقياد بذل كل شَيْء لما خلق لَهُ.
قَوله: {وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: {وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ} وَالله لَا يشْتَد عَلَيْهِ شَيْء؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: {وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ} أَي: هُوَ هَين عَلَيْهِ. وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود:"وَهُوَ عَلَيْهِ هَين". قَالَ الفرزدق شعرًا:
(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول)
(بَيت زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل)
وَقَوله: أعز وأطول أَي عزيزة طَوِيلَة، وَقَالَ آخر:
(لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول)
أَي: (لوجل) . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ على مَا يَقع فِي عُقُولهمْ؛ فَإِن الَّذِي يَقع فِي عقول الْخلق أَن الْإِعَادَة أَهْون من الْإِنْشَاء، وَيُقَال مَعْنَاهُ: هُوَ أَهْون على الْخلق؛ لِأَن من ابْتَدَأَ شَيْئا مِمَّا يشق عَلَيْهِ، فَإِذا (أعَاد) ثَانِيًا يكون أسهل وأهون.