وهو أَمر عَلَى جهة الوَعِيدِ والتَهدُّد، وذلك مستعمل في كلام الناس تقول: إن أسمعتني مَكْروهاً فَعَلْتُ بك وَصَنَعْتُ ثم تقول: افعَلْ بي كذا وكذا فإنك سترى ما ينزل بك، فليس إذا لم يُسْمِعْكَ كان عاصياً لك.
فهذا دليل أنه ليس بأمرٍ لازم، وكذلك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وكذلك: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) .
لم يخَيَّروا بين الإيمان والكفر ولكنه جرى على خطاب العِبَاد
وحِوَارِ العربِ الذي تستعمله في المبالغة في الوعيد، ألا ترى أن قوله بعد (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) فهذا مما يؤكد أمر الوَعِيدِ.
(وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ(49)
المعنى أن ينْزِلَ عليهم المطر.
فأمَّا تَكْرِيرُ قوله (من قبل) ففيه وَجْهَانِ:
قال قطرب إن قَبْلَ الأولى للتنزيل، وقَبْل الثانية لِلْمَطَرِ.
وقال الأخفش وَغيرُه من البَصْرِيين: تكرير (قبل) على جهة التوكيد.
والمعنى وإن كانوا من قبل تنزيل المطر لَمُبْلِسينَ.
والقول كما قالوا لأن تنزيل المطر بمعنى المطر، لأن المطر لا يكون إلا بِتَنْزِيل كما أن الرياحَ لا تُعْرَفُ إلا بِمُرورِهَا
قال الشاعر:
مَشَيْنَ كما اهتزَّتِ رماحٌ ... تسفَّهَتْ أَعَالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِم
فمعنى مَر الرياح كقولك تَسَفهتْ أعاليها مر الرياح النواسم. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...