(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) }
عن أبي الدرداء رضي الله عنه: «أن رجلا كان يسأله فقال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا.
قال: فما تصنع بازدياد حجة الله عليك».
وعن سفيان الثوري قال: «إنما يتعلم العلم ليتقى الله به، وإنما فضل العلم على غيره، لأنه يتقى الله به» .
وعن «ابن وهب» عن «مالك» رحمه الله «أن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار، وسكينة، وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله» .
قال عياض: «وقال لبعض بني أخيه: إذا تعلمت علما من طاعة الله فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك الذي تعلمته، السكينة والحلم والوقار» اهـ.
وتكررت وصيته بهذا الوضوح، معناه في نفسه، ولأن السلف الصالح على ذلك درجوا.
قال الحسن: ذكره «الشيخ» في «مختصره» : «كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وبصره، ولسانه، ويده، وصلاته، وزهده، وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم، فيكون خيرا له من الدنيا، وما فيها لو كانت له فجعلها في الآخرة.
الثاني: ما تقرر أيضا أن العمل بالعلم هو مفتاح فهمه، ووسيلة الترقي إلى موهبة ما استغلق منه حسبما يدل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} .
وما ورد في حديث: «من عمل بما علم ورثّه الله علم ما لم يعلم» .
قال الشيخ «عز الدين» في «أجوبته» : «معناه، من عمل بما يعلمه من واجبات الشرع، ومندوباته، واجتناب مكروهاته، ومحرماته، أورثه الله من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} .
قال: وإذا حمل على عمومه دخل فيه الفقهاء وغيرهم.
ثم ذكر عن بعض الأكابر: أن لكل طاعة لله عز وجل نوعا من العلم الإلهي، ولا يترتب على غيرها.
قال: ثم يختلف ذلك باختلاف التكاليف بمن له أهلية الجهاد، فإلهامه على عمله بجهاده، وكذلك من له أهلية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والفتوى والقضاء، والإمامة الكبرى، ومساعدة المسلمين على ما ندب إلى مساعدتهم عليه، وكذلك التعاون على أعمال البر والتقوى، فيلهم المفتي إلهاما يختص بالفتاوي، وكذلك من عمل بشيء من الأعمال الصالحات، فإن إلهامه على قدر ما يختص به ذلك العمل الصالح» انتهى ملخصا.