وقال المؤيد بالله:
(وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(6) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)
فقوله: (يَعْلَمُونَ) بعد قوله: (لا يَعْلَمُونَ) من الباب الذي نحن بصدده، ولهذا فإنه نفى عنهم العلم بما خفي عنهم من تحقيق وعده ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنه قال: علموا، وما علموا، لأن العلم بظاهر الأمور ليس علما على الحقيقة، وإنما العلم هو ما كان علما بطريق الآخرة ومؤديا إلى الجنة، فلولا اختصاص قوله (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) لكان تكريرا لا فائدة تحته، فلأجل ما ذكرناه عد من الإطناب لاشتماله على ما ذكرناه من الفائدة التي لخصناها.
ولما قال (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فنفى نفيا عاما أشعر ظاهره أنهم غير عالمين بعلم الدين، وحقائق علم الآخرة، ومفهومها أن معهم علما من ظاهر الدنيا، فإذا قال بعد ذلك (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) كان إطنابا لمفهومها مؤكدا مع زيادة فائدة فيه، وهو غفلتهم عن أمور الآخرة وإعراضهم عنها.
(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ(55)
[التجنيس التام]
ويقال له المستوفى، والكامل، وهو أن تتفق الكلمتان في لفظهما، ووزنهما، وحركتهما، ولا يختلفان إلا من جهة المعنى، وأكثر ما يقع في الألفاظ المشتركة، ومثاله من كتاب الله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ)
وليس في القرآن من التجنيس الكامل إلا هذه الآية، فالساعة الأولى عبارة عن القيامة، والساعة الثانية هي واحدة الساعات، لكنهما اتفقا لفظا فلهذا كان جناسا تاما. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...