الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ وَحَّدُونِي وَآمَنُوا بِي وَبِرَسُولِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ سَعَةِ الْأَرْضِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَضِقْ عَلَيْكُمْ فَتُقِيمُوا بِمَوْضِعٍ مِنْهَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْمَقَامُ فِيهِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ بِمَكَانٍ مِنْهَا بِمَعَاصِي اللَّهِ فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى تَغْيِيرِهِ، فَاهْرُبُوا مِنْهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ مَا أُخْرِجُ مِنْ أَرْضِي لَكُمْ مِنَ الرِّزْقِ وَاسِعٌ لَكُمْ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، فَاهْرُبُوا مِمَّنْ مَنَعَكُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِي لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا وَصَفَهَا بِسَعَةٍ، فَالْغَالِبُ مِنْ وَصْفِهِ إِيَّاهَا بِذَلِكَ، أَنَّهَا لَا تَضِيقُ جَمِيعُهَا عَلَى مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْضِعٌ، لَا أَنَّهُ وَصَفَهَا بِكَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْخَصْبِ.
وَقَوْلُهُ: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}
يَقُولُ: فَأَخْلِصُوا لِي عِبَادَتَكُمْ وَطَاعَتَكُمْ، وَلَا تُطِيعُوا فِي مَعْصِيَتِي أَحَدًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) }