{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ}
عطف على جملة {وهُمْ عن الآخرةِ هم غَافِلون} [الروم: 7] لأنهم نفوا الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة.
فضمير {يتفكروا} عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة.
والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم.
والتقدير: هم غافلون وعجيب عدم تفكرهم.
ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدَّالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين:
أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب.
وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين.
والتفكر: إعمال الفكر، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه، وهو التأمل في الدلالة العقلية.
وقد تقدم عند قوله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتوي الأعْمَى والبَصِير أفَلا تَتَفَكرون} في سورة الأنعام (50) .
والأنفس: جمع نفْس.
والنفس يطلق على الذات كلها، ويطلق على باطن الإنسان، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {تعْلَم مَا فِي نَفْسِي} [المائدة: 116] كقول عمر يوم السقيفة:"وكُنت زوّقت في نفسي مقالة"أي في عقلي وباطني.
وحرف {في} من قوله {فِي أنْفُسهم} يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفاً لمصدر يَتَفَكَرُّوا، أي تفكراً مستقراً في أنفسهم.
وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر.