وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر في أنفسهم لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع ، كقوله {ولاَ تخطّهُ بِيَمِينك} [العنكبوت: 48] وقوله {ولاَ طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيه} [الأنعام: 38] ، وتكون جملة {مَا خَلَقَ الله السَّمَاوات والأرْض} الخ على هذا مُبينة لجملة {يَتَفَكَرُّوا} إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى: {أمْ يَتَفَكَّروا ما بِصَاحبهم من جنة} [الأعراف: 184] .
ويجوز أن يكون {في} للظرفية المجازية متعلقة بفعل {يَتَفكروا} تعلق المفعول بالفعل ، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم.
والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالى {وفي أنْفُسكم أفَلا تُبْصِرون} [الذاريات: 21] ؛ فإن حق النظر المؤدّي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون} [المؤمنون: 115] وهذا كقوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض ، وتكون جملة {مَا خَلَق الله السماوَات والأرْض} الخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله {أنْفُسهم} إذ الكلام على حذف مضاف ، تقديره: في دلالة أنفسهم ، فإن دلالة {أنفُسهم} تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن {أنفُسهم} مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض ، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم.
وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل {يَتَفَكَّروا} عن العمل في مفعولين لوجود النفي بعده.
ومعنى خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق: أن خلقهم ملابسٌ للحق.