{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) }
استئناف ابتدائي وقع اعتراضاً بين الجملتين المتعاطفتين: جملة: {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] ، وجملة: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لَنُبَوِّئَنَّهم من الجنة غُرفاً} [العنكبوت: 58] الآية.
وهذا أمر بالهجرة من دار الكفر.
ومناسبته لما قبله أن الله لما ذكر عناد المشركين في تصديق القرآن وذكر إيمان أهل الكتاب به آذن المؤمنين من أهل مكة أن يخرجوا من دار المكذبين إلى دار الذين يصدقون بالقرآن وهم أهل المدينة فإنهم يومئذ ما بين مسلمين وبين يهود فيكون المؤمنون في جوارهم آمنين من الفتن يعبدون ربهم غير مفتونين.
وقد كان فريق من أهل مكة مستضعفين قد آمنوا بقلوبهم ولم يستطيعوا إظهار إيمانهم خوفاً من المشركين مثل الحارث بن ربيعة بن الأسود كما تقدم عند قوله تعالى: {ومن الناس من يقول ءامنا بالله} في أول هذه السورة [العنكبوت: 10] ، وكان لهم العذر حين كانوا لا يجدون ملجأ سالماً من أهل الشرك، وكان فريق من المسلمين استطاعوا الهجرة إلى الحبشة من قبل، فلما أسلم أهل المدينة زال عذر المؤمنين المستضعفين إذ أصبح في استطاعتهم أن يهاجروا إلى المدينة فلذلك قال الله تعالى: {إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} .
فقوله: {إن أرضي واسعة} كلام مستعمل مجازاً مركباً في التذكير بأن في الأرض بلاداً يستطيع المسلم أن يقطنها آمناً، فهو كقول إياس بن قبيصة الطائي:
ألم ترَ أن الأرض رحب فسيحة
فهل تعجزني بقعة من بقاعها ...
ألا تراه كيف فرعَ على كونها رحباً قولَه: فهل تعجزني بقعة.