(فصل)
قال فريد الدين العطار:
أرأيت عنكبوتا لا يقر لها قرار، إذ تقضي الوقت سابحة في عالم الخيال؟ إنها تصنع شبكة عجيبة من هوسها! إذ ربما تسقط ذبابة في حبالتها، وعندما تتردى ذبابة في هذه الحبالة، فإنها تمتص دماء شرايين تلك الفريسة، ثم تجففها في مكانها، حيث تتخذها طوال فترة طعاما لها. وفجأة ينهض صاحب الدار وقد أمسك بعصا في يده، فيقوض في لحظة دعائم بيت العنكبوت، وكذا الذبابة.
الدنيا ومن يرتزق فيها، أشبه بذبابة داخل بيت العنكبوت، فإن دانت لك الدنيا كلها، فسرعان ما تضيع منك في غمضة عين، وإن كنت بسلطنتك في كبر وتعال، فما أنت إلا طفل في الطريق تتلهى بخيال الظل، فلا تطلب الملك، إن لم يكن لك عقل حمار، إذ يعطي الملك للدواب.
أيها الجاهل: كل من يملك طبلا وعلما، ليس درويشا، إذ ليس له من عمل غير الريح والصوت، الريح في العلم، والصوت في الطبل، وتلك الريح وهذا الصوت لا يساويان أكثر من نصف دانق، فلا تركض كالأبلق السخف هكذا، ولا تتدلل في غرور سلطنتك هكذا، وسيسلخ النمر في النهاية، كما ستسلب من نفسك بلا توان، وإذا صح المحال في محيط الرؤية، فالضياع أفضل، وإلا فالانتكاس رأسا على عقب. ليس في إمكانك التعالي والغرور، فاخفض رأسك فإلام المخاطرة؟ فإما أن تطأطئ الرأس ولا تتظاهر بالسيادة مرة أخرى، وإما أن تمتنع عن المقامرة يا من قصرك وحديقتك هما سجنك، إن ثروتك هي بلاء روحك، تخل عن الدنيا الغرور، وإلام تجوب الدنيا المليئة بالفجور؟ فافتح عين الهمة وتمحص الطريق، وانظر إلى الأعتاب، وامض في الطريق، وإذا ما أوصلت روحك إلى تلك الحضرة، فلن تتسع الدنيا لك، لما أنت فيه من العظمة. انتهى انتهى {منطق الطير، لفريد الدين العطار} ...