قَوْلُه تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
(يعد هلاكهم) لفعله ومشيئته وتكوينه لا يمتنعون لا يأبون عنه وإن عصوا في أمره الظَّاهر
أن عَلَى هنا بمعنى عن والضَّمير راجع إلَى فعله ومن كان بهذه الصّفَة يقدر عَلَى إحياء الموتى
ولذا قال عقيبه (وهو الذي يبدأ الخلق) الآية. لذكر الإعادة في جنب دليله فالتكرار
في مثله حسن عند البلغاء. وقيل تكريره لزيادة التقرير والتمهيد لما بعده وهو أهون عليه.
قوله: (بعد هلاكهم) وبعد تفرق أجزائهم كما مَرَّ الإشَارَة إليه أو بعد كونهم معدومين.. فإن قيل: مضمون الصلة لا بد وأن يكون معلومًا والإعادة ليست بمعلومة؟ قلنا يكفي في ذلك
تمكنهم من العلم.
قوله: (والإعادة أسهل عليه بالأصل بالْإضَافَة إلَى قدركم) أي بالبدء؛ إذ هُوَ ليس
بمسبوق بالمادة والمدة والإعادة مسبوقة بهما بالْإضَافَة إلَى قدركم جمع قدرة يعني إذا قستم
قدرته تَعَالَى عَلَى قدرتكم فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة كذا قيل. ففي العبارة تسامح
إذ ظاهره أنه متعلق بأسهل أي أسهل بالنسبة إلَى قدركم ولا معنى له إلا بالتأويل الْمَذْكُور
وفيه شيء أَيْضًا فالأولى كونه بمعنى هين وتعلقه بأسهل لأنه يكفي في عمل الجار
والمجرور رائحة الْفعْل فلا حاجة إلَى تأويل أسهل بالحكم بزيادة السهولة، إلا أن يقال إن
هذا الْمَعْنَى حاصله والتأويل ليس لتصحيح التعلق.
قوله: (والْقيَاس عَلَى أصولكم) أي عَلَى قواعدكم المقررة عندكم وهي أن ما هُوَ
أدنى من شيء فهو أهون مما هُوَ أعظم لكنه عدل عنه إلَى ما ذكر تنبيها عَلَى أن منشأ ذلك
اخْتلَاف قدركم ونقصان قدرة المخلوقات.
قوله: (وإلا فهما عليه سواء) أي وإن لم يكن قياسًا عَلَى أصولكم فلا يصح كون
بعض شيء أهون من الآخر لأنهما وجميع الممكنات عليه تَعَالَى سواء؛ إذ قدرته الذاتية
نسبتها إلَى جميع الممكنات سواء فلا جرم أن الْكَلَام مسوق بالنسبة إلَى قدر المخلوقات
إيقاظًا لغفول الجهلة المنكرين له.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
البهائم وأوصلوا مقاصدهم إلَى بواطنها بأصوات يضعونها لائقة بهم من النفير والصغير والأصوات
القريبة من أصواتها فنزلوا إلَى درجة تمييز البهائم التي تطيق حملها فكَذَلكَ النَّاس يعجزون عن
حمل كلام اللَّه المجيد بكنهه وكلام صفاته فصاروا فيه كالبهائم فيما تراجعوا بينهم من الأصوات
فلا يمنع ذلك معاني الْحكْمَة المخبوءة في تلك الصفات.