76 - {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ... } الآية.
اختلف في قارون من جهة قرابته لموسى - علبه السلام - فمن قائل: إنه ابن عمه، وهو ما روى عن ابن عباس وابن جريج وغيرهما - ومن قائل: إنه عمه، وحكاه محمَّد ابن إسحق، ومنهم من قال: إنه ابن خالته، ولم نجد لهذه الروايات سندًا، وحسبنا ما قاله الله - تعالى - في نسبه من أنه من قوم موسى، أي: من بني إسرائيل، وبصفه الله بأنه بغى عليهم، والبغي - في اللُّغة: التطاول ومجاوزة الحد، وقد فسره المفسرون هنا بتفسيرات
مختلفة، فمنهم من فسره بالتكبر، فإنه كان جميل الصورة واسع الثراء، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة، فتكبر عليهم لذلك، ومنهم من فسره بالظلم؛ لأن فرعون ملكه عليهم فظلمهم وبغي عليهم، والذي نراه أن لكنوزه دخلًا في ظلمه؛ لأن من نصحوه من قومه قالوا له: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} فهذا واضح في أن ماله أغراه بالإفساد والظلم، ولذا عقبه الله بقوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ... الآية} .
{وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} :
أي: وأعطيناه من كنوز الأَموال ما دفعه إلى التكبر والتعالى على قومه وظلمهم، فالمراد من الكنوز؛ الأموال المدخرة، ويصف الله عظمة هذه الكنوز بأَن مفاتحها تنوءُ بالعصبة أُولى القوة، والمراد من المفاتح الخزائن. قال الضحاك: مفاتحه: ظروفه وأوعيته، وروى نحو ذلك عن ابن عباس والحسن، وعلى هذا الرأى تكون مفاتح جمع مفْتَح - بفتح الميم وسكون الفاء - أي: مكان الفتح، وهو الوعاء.
ومنهم من قال: إنه جمع مِفتح - بكسر الميم وسكون الفاء - وهو المفتاح الذي تفتح به الخزانة، والأول أقرب إلى التعقل؛ فإن العُصبة أولى القوة تقْدر على حمل المفاتيح، ولا تنوءُ بها، وإنما تنوءُ بحمل الخزائن، والله أعلم.