{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) }
(فصل: في احتجاج بعض المذاهب بهذه الآية على أن أطفال المشركين في الجنة)
قالوا: فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى في الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم، فكيف يعذب في الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم؟ ولا يقال: كما أهلكه في الدنيا تبعاً لأبويه وغيرهم، فكذلك يدخله النار تبعاً لهم، لأن مصائب الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةٍ} [الأنفال: 25]
وكالجيش الذي يخسف بهم جميعهم وفيهم المكره والمستبصر وغيره.
فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلاً.
وقال تعالى في النار: {كُلَّمَا أُلْقِى فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ}
وقال تعالى لإبليس: {لأَملأَنَ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]
وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم يتبعه؟
قالوا: وأيضاً فالقرآن مملوءُ من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال كقوله تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] ، وقوله تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...