{فجاءته إِحداهما}
المعنى: فلمّا شربتْ غنمَهُما رَجَعَتا إِلى أبيهما فأخبرتاه خبر موسى، فبعث إِحداهما تدعو موسى.
وفيها قولان.
أحدهما: الصغرى.
والثاني: الكبرى.
فجاءته {تمشي على استحياء} قد سترت وجهها بِكُمِّ دِرْعها.
وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه كان من صفتها الحياء، فهي تمشي مشي مَن لم يعتد الخروج والدخول.
والثاني: لأنها دعته لتكافئَه، وكان الأجمل عندها أن تدعوَه من غير مكافأة.
والثالث: لأنها رسول أبيها.
قوله تعالى: {ليَجْزِيَكَ أجر ما سَقَيْتَ لنا} قال المفسرون: لمَّا سمع موسى هذا القول كرهه وأراد أن لا يتبعها، فلم يجد بُدّاً للجَهْد الذي به من اتِّباعها، فتَبِعها، فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها، فناداها: يا أَمَة الله، كوني خلفي ودُلِّيني الطريق، {فلما جاءه} أي: جاء موسى شعيباً، {وقَصَّ عليه القَصَصَ} أي: أخبره بأمره مِنْ حين وُلد والسبب الذي أخرجه من أرضه {قال لا تَخَفْ نجوتَ مِنَ القوم الظَّالِمِينَ} أي: لا سُلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته.
{قالت إِحداهما} وهي الكبرى: {يا أبت استأجِرْهُ} أي: اتَّخِذه أجيراً {إِنَّ خير من استأجرتَ القويُّ الأمينُ} أي: خير من استعملتَ على عملكَ مَنْ قَوِيَ على عملك وأدَّى الأمانة؛ وإِنَّما سمَّتْه قويّاً، لرفعه الحجر عن رأس البئر، وقيل: لأنه استقى بدلو لا يُقِلُّها إِلا العدد الكثير من الرجال، وسمَّته أميناً، لأنه أمرها أن تمشيَ خلفه.
وقال السدي: قال لها شعيب: قد رأيتِ قوَّته، فما يُدريكِ بأمانته؟ فحدَّثَتْه.
قال المفسرون: فرغب فيه شعيب، فقال له: {إِنِّي أُريدُ أنْ أُنْكِحَكَ} أي: أُزوِّجِك {إِحدى ابنتيَّ هاتين على أن تأجُرَني ثمانيَ حِجَج} قال الفراء: تأجُرني وتأجِرني، بضم الجيم وكسرها، لغتان.