(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) .
أي لعلي أْعلم لِمَ أُوقِدَتْ.
(أَوْ جِذْوَةٍ مِنَ النَّارِ) .
الجذوة القطعهة الغليظة من الحطب.
ويقرأ: أَوْ جُذوة بالضَم، ويقال جَذْوة بالفتح.
فيها ثلاث لغات (2) .
وقوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(30)
(1) قال السَّمين:
قوله: {ذَلِكَ} : مبتدأٌ. والإِشارةُ به إلى ما تعاقَدَا عليه، والظرفُ خبرُه. وأُضِيْفَتْ"بين"لمفردٍ لتكررِها عطفاً بالواوِ. ولو قلتَ:"المالُ بين زيدٍ فعمرٍو"لم يَجُزْ. فأمَّا قولُه:
... ... ... ... بين الدَّخولِ فَحَوْمَلِ
فكان الأصمعيُّ يَأْباها ويَرْوي"وحَوْمَلِ"بالواو. والصحيحُ بالفاءِ، وأوَّلَ البيتَ على:"الدَّخولِ وَحَوْمَلِ"مكانان كلٌّ منهما مشتملٌ على أماكنَ، نحو قولِك:"داري بين مصرَ"لأنه به المكانُ الجامع. والأصل: ذلك بَيْنَنا، ففرَّق بالعطف.
قوله: {أَيَّمَا الأجلين} "أيّ"شرطيةٌ. وجوابُها"فلا عُدْوانَ"عليَّ. وفي"ما"هذه قولان، أشهرُهما: أنها زائدةٌ كزيادتِها في أخواتِها مِنْ أدواتِ الشرط. والثاني: أنها نكرةٌ. والأَجَلَيْن بدلٌ منها. وقرأ الحسن وأبو عمرٍو في رواية"أَيْما"بتخفيفِ الياءِ، كقوله:
تَنَظَّرْتُ نَصْراً والسِّماكَيْنِ أَيْهُما... عليَّ من الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مواطِرُهْ
وقرأ عبد الله"أَيَّ الأَجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ"بإقحام"ما"بين"الأجلين"و"قَضَيْتُ". قال الزمخشري:"فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين موقعَيْ زيادةِ"ما"في القراءتين؟ قلت: وقعَتْ في المستفيضة مؤكِّدةً لإِبهامِ"أيّ"زائدةً في شِياعِها، وفي الشاذَّة تأكيداً للقضاءِ كأنه قال: أيَّ الأجلين صَمَّمْتُ على قضائه، وجَرَّدْت عَزيمتي له".
وقرأ أبو حيوةَ وابنُ قطيب"عِدْوان". قال الزمخشري:"فإنْ قلتَ: تَصَوُّرُ العُدْوان إنما هو في أحد الأجلَيْن الذي هو أقصرُهما، وهو المطالبةُ بتتمَّة العَشْر، فما معنى تعلُّقِ العُدْوانِ بهما جميعاً؟ قلت: معناه كما أنِّي إنْ طُوْلِبْتُ بالزيادةِ على العشر [كان عدواناً] لا شك فيه، فكذلك إنْ طولِبْتُ بالزيادةِ على الثمان. أراد بذلك تقريرَ ِأمرِ الخِيارِ، وأنه ثابتٌ مستقرٌّ، وأن الأجلَيْنِ على السَّواء: إمَّا هذا وإمَّا هذا". ثم قال:"وقيل: معناه: فلا أكونُ متعدياً. وهو في نَفْي العدوان عن نفسه كقولِك: لا إثمَ علي ولا تَبِعَةَ". قال الشيخ:"وجوابُه الأولُ فيه تكثيرٌ". قلتُ: كأنه أعجبه الثاني، والثاني لم يَرْتَضِه الزمخشريُّ؛ لأنه ليس جواباً في الحقيقة؛ فإن السؤالَ باقٍ أيضاً. وكذلك نَقَلَه عن غيره.
وقال المبرد:"وقد عَلِم أنه لا عُدْوانَ عليه في أتَمِّهما، ولكنْ جَمَعَهما ليجعلَ الأولَ كالأَتَمِّ في الوفاء". اهـ (الدُّرُّ المصُون) .
(2) قال السَّمين:
قوله: {أَوْ جَذْوَةٍ} : قرأ حمزة بضم الجيم. وعاصم بالفتح. والباقون بالكسرِ. وهي لغاتٌ في العُود الذي في رأسِه نارٌ، هذا هو المشهورُ. قال السُّلمي:
حمى حُبِّ هذي النارِ حُبُّ خليلتي... وحُبُّ الغواني فهو دونَ الحُباحُبِ
وبُدِّلْتُ بعد المِسْكِ والبانِ شِقْوةً... دخانَ الجُذا في رأسِ أشمطَ شاحبِ
وقيَّده بعضُهم فقال: في رأسِه نارٌ مِنْ غيرِ لَهَبٍ. قال ابن مقبل:
باتَتْ حواطِبُ ليلى يَلْتَمِسْنَ لها... جَزْلَ الجُذا غَيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ
الخَوَّارُ: الذي يتقصَّفُ. والدَّعِرُ: الذي فيه لَهَبٌ، وقد وَرَدَ ما يقتضي وجودَ اللهبِ فيه. قال الشاعر:
3603 وأَلْقَى على قَبْسٍ من النارِ جَذْوةً... شديداً عليها حَمْيُها والتهابُها
وقيل: الجَذْوَة: العُوْدُ الغليظُ سواءً كان في رأسه نارٌ أم لم يكنْ، وليس المرادُ هنا إلاَّ ما في رأسِه نارٌ.
قوله: {مِّنَ النار} صفةٌ ل جَذْوَةٍ، ولا يجوزُ تَعَلُّقها ب"آتِيْكُمْ"كما تَعَلَّق به"منها"؛ لأنَّ هذه النارَ ليسَتْ النارَ المذكورةَ، والعربُ إذا تقدَّمَتْ نكرةٌ وأرادَتْ إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً، أو معرَّفَةً ب أل العهديةِ، وقد جُمِع الأمران هنا. اهـ (الدُّرُّ المصُون) .