وقال الإمام زين الدين الرازي:
فإن قيل: ما فائدة وحي الله تعالى إلى أم موسى عليه السلام بإرضاعه وهي ترضعه طبعاً سواء أمرت بذلك أم لا؟
قلنا: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل سدى غيرها بعد وقوعه في يد فرعون فلو لم يأمرها بإرضاعه ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت ذلك المقصود.
فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي) والشرط الواحد إذا تعلق به جزاءان صدق قولنا إذا وجد هذا الشرط وجد هذا الجزاء أيهما شئت، ويلزم من هذا صدق قوله: فإذا خفت عليه فلا تخافى، وإنه يشبه المتناقض؟
قلنا: معناه إذا خفت عليه من القتل قألقيه في البحر، ولا تخافى عليه من الغرق ولا تناقض بينهما.
فأن قيل: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) ؟
قلنا: الخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأرق وقع في الماضى
فإن قيل: كيف جعل موسى عليه السلام قتله القبطى الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟
قلنا: إنما جعله من عمل الشيطان لأنه قتله قبل أن يؤذن له في قتله، فكان ذلك ذنباً يستغفر منه مثله قال ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر.
فإن قيل: موسى عليه السلام ما سقى لابنتى شعيب طلباً للأجر، فكيف أجاب دعوتها لما قالت له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) ؟
قلنا: يجوز أن يكون قد أجاب دعوتهما ودعوة أبيها لوجه الله تعالى على سبيل البر والمعروف ابتداء لا على سبيل الأجر، وإن سمته هي أجراً، ويؤيد هذا ما ووى أنه لما قدم إليه الطعام امتنع، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على
المعووف ثمناً حتى قال له شعيب عليه السلام: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.