[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ(5)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعَافُهُمْ وَإِرَادَةُ اللَّه تَعَالَى الْمَنَّ عَلَيْهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّه شَيْئًا كَانَ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ؟
قُلْنَا لَمَّا كَانَ مِنَّةُ اللَّه عَلَيْهِمْ بِتَخْلِيصِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ قَرِيبَةَ الْوُقُوعِ جُعِلَتْ إِرَادَةُ وُقُوعِهَا كَأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِاسْتِضْعَافِهِمْ.
(فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(15) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ طَعَنَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْقِبْطِيَّ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلِمَ قَالَ: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) وَلِمَ قَالَ: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) وَلِمَ قَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى (فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشُّعَرَاءِ: 20] ؟
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْقِبْطِيَّ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ كَانَ قَتْلُهُ مَعْصِيَةً وَذَنْبًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: (وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا حَرْبِيًّا فَكَانَ دَمُهُ مُبَاحًا فَلِمَ اسْتَغْفَرَ عَنْهُ، وَالِاسْتِغْفَارُ عَنِ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ فِي الْمُبَاحِ كَوْنَهُ حَرَامًا؟
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْوَكْزَ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ ظَاهِرًا، فَكَانَ ذَلِكَ الْقَتْلُ قَتْلَ خَطَأٍ، فَلِمَ اسْتَغْفَرَ مِنْهُ؟
وَالْجَوَابُ: عَنِ الْأَوَّلِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ كَانَ لِكُفْرِهِ مُبَاحَ الدَّمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) فَفِيهِ وُجُوهٌ: