أما إنْ علم أن له رباً قيوماً عليه ، وإنْ عمَّى على قضاء الأرض فلن يُعمِّي على قضاء السماء ، وإنْ أفلتَ من عقاب الدنيا فلن يُفلِتَ أبداً من عقاب الآخرة إنْ علم ذلك استقام .
لكن ، ما وجه استبعادهم للبعث {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] .
يقولون: هَبْ إن إنساناً مات ودُفِن وتحلّل جسده إلى عناصر امتصتها الأرض ، ثم غُرِسَت شجرة في هذا المكان وتغذْت على هذه العناصر ، وأكل من ثمارها عدة أشخاص ، وانتقلت جزئيات الميت إلى الثمار ثم إلى من أكل منها ، فحين يُبعث الخَلْق يوم القيامة فلأيِّهما تكون هذه الجزئيات: للأول أم للثاني؟ إذا بعثتها للأول كانت نقصاً في الثاني ، وإنْ بعثتها للثاني كانت نقصاً في الأول .
وهذا الكلام منهم على سبيل أن الشخص مادة فقط ، لكن التشخيصات مادة ومعنى . وهَبْ أن شخصاً بديناً يزن مثلاً مائة كيلو أصابه مرض أهزله حتى قَلَّ وزنه إلى خمسين كيلو مثلاً ، ثم عُولج وتحسنت صحته حتى عاد كحالته الأولى .
فهل الجزئيات التي نقصت من وزنه هي نفسها التي دخلتْ فيه بالصحة والتغذية؟ بالطبع لا ، أتغيرتْ شخصيته بهذا النقص ، أو بهذه الزيادة؟ لا ، بل هو هو .
إذن: للشخص جزئيات مختلفة التكوين ، وله معنى وروح ، ساعةَ تتجمع هذه الأشياء يأتي الشخص المراد .
لذلك يقول تعالى رداً على هؤلاء المتفلسفين: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] .
فلماذا تستبعدون الإعادة بعد الموت وقد أقررتُم بالخَلْق الأول واعترفتم بأن الله هو الخالق ، وأليست الإعادة من موجود أهونَ من الخَلْق بدايةً من العدم؟ ثم إن الإعادة تحتاج إلى قدرة على الإبراز وإلى علم .
أما العلم ، فالحق تبارك وتعالى يقول: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] يعني: يعلم وزنك ، ويعلم جزئياتك ، لا يغيب منها ذرة واحدة .