[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّرَّمَرِّي:
فإن قيل: إن سليمان عليه الصلاة والسّلام كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتدّ إليه طرفه؟
قيل: لنبيّنا - صلى الله عليه وسلم - أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشاً لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ , قال: «نعم» , قال: «فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلاً, قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه» , فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه, وحمل بيت المقدس من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس إلى سليمان عليه الصلاة والسلام, وفي حديث الإسراء أيضاً أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال: «مررت بها بالتّنعيم» , قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها, قال: «كنت في شغل عن ذلك» , قال: «ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» , فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا, وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم من حمل عرش بلقيس, ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل - عليه السلام - الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل, وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار, فرأيتهما دون هذا الحائط» .
وأعظم من ذلك حمله على البراق إلى فوق سبع سماوات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى, فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت أو بعدت.