(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
{أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي علمتُ بما لم تعلم مع عظيم سُلْطانك وحقارتي.
فإن قيل: فمن أين للهدهد هذا الإقدام على مثل سليمان؟
فالجواب من وجوه: أحدها: أنه لما قيل له إنَّ سليمان قد توعَّدك قال: أما قوله: {لَأُعَذِّبَنَّهُ} فتهديد مَلِك، والحلمُ أحسن.
وأما قوله: {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} فقول من لم ينظر في العواقب {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} سؤال لازم يقتضي الجواب وهو على {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} . فقيل له: كيف تجاسر الهدهد على هذا؟ فقال: وهو الثاني: إنّ الهدهد كان مُحِقًّا والمحقُّ ما يخاف.
والثالث: إنه قول مستقبل والمستقبل لا يلتفت إليه.
والرابع: أنه شغله بحديث يحتاج إلى فكرة ورويَّة، وفي تلك المدة يسكن الغضب، ألا ترى إلى قوله: {سَنَنظُرُ} .
والخامس: أنه شغله بذكر الزوجة {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23] فكأنه يقول: إنْ لم تكن بك رغبة في تزويجها فارغب في مالها بطريق الاستيلاء، ومهما حصل لك من القسمين فهو فدائي من القتل.
والسادس: اشتغلْ عن قتل عاجز بين يديك بذكر عجزك عن قادر يقتدر عليك.
والسابع: أنا مؤمن وقومُها وهي كفار، فاشتغل بقتلهم عن قتلي. {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فاشتغلْ بقتل من يسجد لغير الله عن قتل من يسجد لله.
والثامن: أنَّ الأنبياء إنما بُعثوا بالعدل، ومن العدل أن تكون العقوبة على قدر الذنب، فلم جعلتَ غايةَ الحدود وهو القتل في مقابلة ساعة؟
والتاسع: إن فاتكَ الماء فما فاتك المال والملك.
والعاشر: أن لابدَّ للخادم من ساعة يستريح فيها ويتشاغل بمصالح نفسه عن مخدومه.
والحادي عشر: أنا وإن غبتُ عنك ساعةً فإنما كنت في خدمتك ومصالحك، وقد أقام القرآن عذري {فَمَكَثَ غَيْرَ بعَيدِ} .
والثاني عشر: لمَ قدمتَ العقوبةَ قبل إتيان الحجة {لَأُعَذِّبَنَّهُ} هلَّا قلت: إن لم يأت بحجَّةٍ عذّبته.
والثالث عشر: إنما ينبغي أن يُهدَّدَ بالقتل المماثل في المرتبة.
والرابع عشر: ليس العجب من تهدُّدِكَ لي مع القدرة، وإنما العجب من مناظرتي وأنا عاجزٌ عن ردِّ القتل.
والخامس عشر: إنني قد عَرَّفتكَ حالةً ما فهمها غيري، فإذا قتلتني لم تجد من يدُلُّكَ على مثلها، فيفوتك ما هو أعظم من قتلي.