فصل في استدراكات وتعليقات على تفسير الثعلبي
قال الإمامُ ابن المظفَّر الرازي:
154 -قال في قوله تعالى: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ(79) :
قال فلان: خرجتُ من بَلْخَ في طلب إبراهيم بن أدهم، فرأيته
بحمص في أَتُّون يستجمر بها فكنت معه. فقال: لعل نفسك تنازعك إلى
شيء من الطعام؟ فقلت: نعم. فأخذ تراباً ورماداً فخلطهما وأكلهما"."
قلت: لعل هذا لا يصح عنه من وجوه:
أحدُها: أن إبراهيم إنما كان يُسَجِّر الأتون؛ ليستعين بأجرته على قوتٍ فإذا
كان يأكل التراب فأي حاجة إلى إيقاد الأتون. فإن التراب موجود في جميع
المواضع من غير إيقاد.
والثاني: أن إبراهيم كيف لم يحصل له من أجرة الإيقاد ما يشتري قوتا.
الثالث: أن التراب أو الرماد لا يُشبع بل يمرض، فالصبر على الجوع كان
أوْلَى من الصبر على الجوع والمرض بالاختيار.
الرابع: أن أكل التراب والرماد إضرار بالنفس؛ لأنه يُوَلِّد الأمراض، وليس
للعبد ذلك؛ لأنه يؤدي إلى إلقاء النفس للتهلكة، والنفس ملكٌ لله تعالى،
والتصرف في ملك الغير بما لا يَحل ظلم.
الخامس: يؤدي إلى العجز عن عبادة الله تعالى، وذلك غير جائز.
والسادس: أنه خلاف أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بل كانوا يَصبرُون.
والسابع: أنه إظهار الجلادة، والقوة، والتصبر على الشدة بدليل أنهم قد
نقلوه وكتبوه في الكتب فلو كتمها كان أجمل وأحسن.
والثامن: أن فِعْلَه لا يناسبُ سؤاله؛ لأنه يسأل صاحبه عن حاجته إلى
الطعام ثم أكل هو التراب وذلك لا يُشبعه فكيف يُشبع صاحبه؟ فهذا كله دليل على أن النقل غيرُ صحيح.
155 -وكذا نَقَل"أن سفيان الثوري مكث بمكة دَهْراً يَسْتَفُّ من السبت"
كفاً من الرمل"."
قلت: سفيان كان فقيهاً ذا مال، والفقه والمال يمنعان عن ذلك وحاشاهم أن