[من روائع الأبحاث]
تأملات تربوية في سورة الشعراء (1)
(الجزء الأول)
د. عثمان قدري مكانسي
في هذه السورة الكريمة - كبقية أخواتها - مواقف تربوية جمة تنير الفكر، وتنشط القلب والعقل، وتضيف كنوزاً من فيض التربية القرآنية يظهر فيها واضحاً جلياً. من أهمها:
التكرار. فما فائدة التكرار هنا؟
ذكرت في كتابي"صور من التربية في القرآن الكريم"قريباً من اثني عشر هدفاً للتكرار. وقلت فيما سبق من تأملات: إن التكرار ظاهرة تربوية وأسلوب تعليمي أصيلان ... يدخل إلى النفوس والقلوب من أبواب متعددة، تفتحها بطرق مختلفة، قوية حيناً وبسيطة حيناً آخر، مخيفة تارة ومحبِّبة تارة أخرى. فتحقق الأهداف التربوية والأخلاقية والتعليمية. فأين التكرار في هذه السورة؟
جاءت السورة في أقسام تسعة تؤصل في قلب الإنسان التوحيد وإفراد المولى عز وجل بالعبادة، وتنبه إلى اتباع الرسل والأنبياء، وتدعو إلى تقوى الله ومراقبته سبحانه وتعالى، وتخوّف من نتائج الكفر والعصيان.
ففي القسم الأول والأخير يخاطب الله تعالى رسوله الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام. وفي الأقسام الأخرى يحدثنا عن الأنبياء الكرام موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم صلوات الله وسلامه بشكل متتابع، وما لاقَوْه من عنت أقوامهم، وتكذيبهم إياهم حين دعَوهم إلى عبادة الله وحده والعمل الصالح، مع ذكر العقوبة التي كانت فيها نهاياتهم.
وفي نهاية الحديث عن كل نبي نجد الخاتمة في قوله تعالى"إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الحكيم"تكررت سبع مرات توضح:
1 -أن الله تعالى أيد رسله بأدلة وبراهين. ولا بد لإنجاح المهمة أن تزود المكلَّف بأية مهمة تريد إنجاحها بآيات واضحة وبراهين دامغة.
2 -وأن أكثر الناس يتبعون أهواءهم، ويتنكبون طريق الهداية. فالشيطان والهوى يميلان بالنفس إلى التخفف من الأعباء، ونبذ التكاليف، والانحراف عن الحق.
3 -وأن الله تعالى قوي عزيز يفعل ما يشاء، وهذه قمة التهديد. ولأنه سبحانه عزيز قادر على كل شيء فسيعاقبهم إن شاء وقت ما شاء، كيفما شاء.