(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... (12) }
فقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} احتراس من نحو البهق والبرص.
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ... (19) }
وتأمل ذكر الحال في قول الله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} وكيف أبرزت الفعل وبينت كيفية وقوعه من سليمان - عليه السلام - فهو تبسم واضح قد قوي حتى وصل إلى حد الشروع في الضحك، وانظر إلى الحال أيضًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (الأحزاب: 45) . وكيف أفصحت عن مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينت الهدف والغاية من إرسال الرسل.
وتأمل ذكر الحال في قول الشاعر:
دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا ... فشاناك انخفاض وارتفاع
وكيف أبرزت ما يقصده الشاعر، وبينت المراد من الدنو، ثم انظر كيف يكون المعنى لو لم تذكر هذه الحال، فقيل: دنوت وعلوت وعلوت فشاناك انخفاض وارتفاع، إن المعنى يكون ملبسًا ومشكلًا.
بهذا يتبين لك أن تلك القيود لا تذكر إلا لمعنى يقتضيه المقام ويدعو إليه الداعي.
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) }
ويأتي الاستفهام ويراد به التعجب، كما في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} (النمل: 20) فسليمان - عليه السلام - كما تفقد الطير ولم يجد الهدهد تعجب كيف لا يراه وهو لا يغيب إلا بإذنه، ولذا توعده بالعذاب الشديد إذا لم يكن غيابه هذا لسبب قوي يدعو إليه: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} (النمل: 21) .
{قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) }
هنا يأتي سؤال هل لإيثار بلقيس ملكة سبأ حرف التشبيه كأن الوارد في قول الله تعالى: {كَأَنَّهُ هُوَ} (النمل: 42) حين سأله سليمان - عليه السلام - عندما عما إذا كان ذلك عرشها أم لا من دلالة، هل لذلك من دلالة؟ نعم، لقد ذكر ابن السبكي أن الإمام فخر الدين الرازي في نهاية (الإيجاز) ، كذلك حازم القرطاجني في كتابه (منهاج البلغاء) أوضح أن كأن أبلغ