[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 إلى 199]
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ(192)
والضمير في قوله وَإِنَّهُ يعود إلى القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من قصص وهدايات ..
أي: وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين، لا تنزيل غيره، والتعبير عن إنزاله بالتنزيل، للمبالغة في إنزاله من عند الله - تعالى - وحده.
ووصف - سبحانه - ذاته بالربوبية للعالمين، للإيذان بأن إنزاله بهذه الطريقة، من مظاهر رحمته بعباده، وإحكام تربيته لهم جميعا.
قال - تعالى -: لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، وقال - سبحانه -: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى.
ثم وصف - سبحانه - من نزل به بالأمانة فقال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ وهو جبريل - عليه السلام - وعبر عنه بالروح، لأن الأرواح تحيا بما نزل به كما تحيا الأجسام بالغذاء.
أي: نزل جبريل الأمين - بأمرنا - بهذا القرآن كاملا غير منقوص، عَلى قَلْبِكَ أيها الرسول الكريم لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من أجل أن تنذر به الناس، وتخوفهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وفسوقهم عن أمر الله - تعالى - .
قال الجمل: قال الكرخي: وقوله عَلى قَلْبِكَ خصه بالذكر وهو إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير. ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول.
أما القرآن فقوله - تعالى -: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وأما الحديث فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» .
وأما المعقول: فإن القلب إذا غشى عليه، لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. .
وقال الآلوسي ما ملخصه: وخص القلب بالإنزال، قيل للإشارة إلى كمال تعقله صلّى الله عليه وسلّم وفهمه ذلك المنزل، حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى القلب ..