(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) }
حَدَّثَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُ الْبَادِيَةَ قَالَ سَمِعْتُهَا تَقُولُ لَوْ تَطَالَعَتْ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ بِفِكْرِهَا إِلَى مَا ادُّخِرَ لَهَا فِي حُجُبِ الْغُيُوبِ مِنْ خَيْرِ الأَجْرِ لَمْ يَصْفُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْشٌ وَلَمْ تَقَرَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْنٌ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خِضْرَوَيْهِ: الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَإِذَا امْتَلأَتْ مِنَ الْحَقِّ أَظْهَرَتْ زِيَادَةَ أَنْوَارِهَا عَلَى الْجَوَارِحِ وَإِذَا امْتَلأَتْ مِنَ الْبَاطِلِ أَظْهَرَتْ زِيَادَةَ ظُلْمِهَا عَلَى الْجَوَارِحِ.
قَالَ أَبُو تُرَابٍ: لَيْسَ مِنَ الْعِبَادَاتِ شَيْءٌ أَنْفَعُ مِنْ إِصْلاحِ خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ.
قَالَ أَبُو الْخَيْرِ التَّيْنَاتِيُّ: حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ مَأْسُورٍ بِحُبِّ الدُّنْيَا أَنْ يَسِيحَ فِي رُوْحِ الْغَيْبِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ طَلَبَ الْمُلُوكُ شَيْئًا فَفَاتَهُمْ وَطَلَبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ مَا يَجُوزُ هَمِّي كِسَائِي هَذَا
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُرْتَعِشُ مَا نَفَعَنِي مِنَ الْعِبَادَاتِ شَيْءٌ مَا نَفَعَنِي جَمْعُ الْهِمَّةِ
وَسُئِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَلامَةِ الْقَلْبِ فَقَالَ الْعُزْلَةُ وَالصَّمْتُ وَتَرْكُ اسْتِمَاعِ خَوْضِ النَّاسِ وَلا يَعْقِدُ الْقَلْبُ عَلَى ذَنْبٍ وَلا عَلَى حِقْدٍ وَيَهَبُ لِمَنْ ظَلَمَهُ حَقَّهُ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَنْبَرِيُّ وَقَدْ وَدَّعَ مَحْبُوبًا لَهُ
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ قَلْبًا مُذْ فُجِعْتُ بِهِ ... وَبِالأَحِبَّةِ لَمْ أَسْكُنْ إِلَى سَكَنِ
قَدْ كَانَ يَحْمِلُ مِنْ هَمِّي وَمِنْ حَزَنِي ... مَا لَيْسَ يَحْمِلُهُ رُوحِي وَلا بَدَنِي
لَا عُدْتُ إِنْ عَادَ لِي قَلْبِي أُعَذِّبُهُ ... بِالْحُسْنِ كَمْ مِنْ قَبِيحٍ جَاءَ مِنْ حَسَنِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ سَقَمُ الْجَسَدِ بِالأَوْجَاعِ وَسَقَمُ الْقُلُوبِ بِالذُّنُوبِ فَكَمَا لَا يَجِدُ الْجَسَدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ عِنْدَ سَقَمِهِ فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَجِدُ حَلاوَةَ الْعِبَادَةِ مَعَ الذُّنُوبِ.