ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(4)
وإِنما قال: «خاضعِين» لأن خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها، وذلك أن الخضوع لمَّا لم يكن إِلا بخضوع الأعناق، جاز أن يخبر عن المضاف إِليه، كما قال الشاعر:
رَأتْ مَرَّ السّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ... كمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ
فلما كانت السّنون لا تكون إِلا بمَرٍّ، أخبر عن السنين، وإِن كان أضاف إِليها المرور.
قال: وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءَهم ورؤساءَهم.
وجاء في اللغة أن أعناقهم جماعاتهم يقال: جاءني عُنُق من الناس، أي: جماعة.
قوله تعالى: (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فأين جوابهم؟
فالجواب: أنه أراد: ألا تستمعون قول موسى؟
فردَّ موسى، لأنه المراد بالجواب، ثم زاد في البيان بقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) ، فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إِلى الجنون، فلم يَحْفِل موسى بقول فرعون، واشتغل بتأكيد الحُجَّة ف (قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: إِن كنتم ذوي عقول لم يَخْفَ عليكم ما أقول.
قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) فيه وجهان:
أحدهما: أن لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع فالمعنى: فإنهم أعداءٌ لي.
والثاني: فإن كلَّ معبود لكم عدوٌّ لي.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما وجه وصف الجماد بالعداوة؟
فالجواب: من وجهين.
أحدهما: أن معناه: فإنهم عدوٌّ لي يوم القيامة إِن عبدتُهم.
والثاني: أنه من المقلوب والمعنى: فإنِّي عدوٌّ لهم، لأن مَنْ عاديتَه عاداكَ، قاله ابن قتيبة.
وفي قوله تعالى: (إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) قولان:
أحدهما: أنه استثناء من الجنس، لأنه عَلِم أنهم كانوا يعبُدون الله مع آلهتهم، قاله ابن زيد.