ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ(13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبياً معي، أَتَقَوَّى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بُعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يُعينه على الامتثال، وتمهيد عذره.
ثم قال: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) أي: تبعة ذنب بقتل القبطيّ، فحذف المضاف، أو: سمّي تبعة الذنب ذنباً، كما يُسَمَّى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنباً بحسب زعمهم.
(فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) به قصاصاً. وليس هذا تعللا أيضاً، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معاً بقوله: (قالَ كَلَّا فَاذْهَبا) لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: (فَاذْهَبا) أي: جعلتُه رسولاً معك (فَاذْهَبا بِآياتِنا) .
(قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ(20)
أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه.
أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز.
أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس عليَّ توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة، وكذلك التربية لا تنافي النبوة.
(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ(26)
أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: (وَرَبُّ آبائِكُمُ) لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم.
(قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(28)