63 - {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} :
هذا كلام مستأْنف مسوق لبيان أَوصاف المؤمنين الصادقين بعد بيان أَحوال المشركين الجاحدين لوحدانية الله، النافرين من عبادته والسجود له، وبضدها تتميز الأَشياءُ.
وعباد الرحمن: من العبودية التي هي إِظهار التذلل والخضوع، مع القيام بمقتضياتها من حسن الطاعة وجميل الانقياد والامتثال، والتعبير عن المؤمنين الصادقين بلفظ:
(عباد) وإِضافتهم إلى الرحمن فيه تقدير لإِيمانهم، وحسن أَعمالهم وتشريف لهم، وتبكيت للمشركين الذين أَنكروا اسم الرحمن، وأَعرضوا عن السجود له، وقوله تعالى: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} : معناه يسيرون في تقلبهم لتحصيل معايشهم، والسعى في حاجاتهم سيرا هيِّنا لينا لا بَغْى فيه ولا استعلاء، فكلمة: (هونا) مصدر وقع وصفا لموصوف محذوف، وقيل: المشى الهون يقابل السريع وهو مذموم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أَخرجه أَبو نعيم، وابن النجار عن ابن عباس:"سرعة المشى تذهب بهاءَ الرجل".
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} : معناه إِذا تكلم معهم السفهاءُ بالسوءِ أَو بكلام يؤذيهم ويكرهون سماعه أَعرضوا عنهم تحلما وسماحة، وقالوا ردًّا عليهم: تسلُّما منكم ومتاركة لكم، فليس معنى: {سَلَامًا} السلام المعروف لأَن الآية في مشركى مكة فلا سلام عليهم، والذي يظهر من الأُسلوب أَن المفهوم من قولهم سلاما هو سداد الردِّ مع البعد عن التفحش ومجاراة السفهاء.
وقيل معناه: إِذا سفه عليهم الجاهلون بالسوء، لم يقابلوهم بمثله بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إِلا خيرا، كما كان - صلى الله عليه وسلم - لا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلما، وقوله تعالى:
64 - {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} :