فصل في استدراكات وتعليقات على تفسير الثعلبي
قال الإمامُ ابن المظفَّر الرازي:
148 -قال في قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44) :
"لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشارِبها، وتنقاد لأربابها التي تعلفها"
وتتعهدها""
قلت: ليس ترجيح البهائم عليهم من هذا الوجه؛ لأن الكفّار أيضاً كانوا يهتدون
لمراعيهم ومشاربهم، وينقادون لمن يطعمهم من الناس. ولكن الترجيح من حيث
أن البهائم والحيوانات تعرف خالقها ورازقها. فقد يُروى أن البقر لم ترفع رأسها
إلى السماء منذ عُبِدَ العِجْلُ حياءً من الله، وجاء البعير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشكو
إليه صاحبها. وشهد الضب على رسالته، ونحو ذلك.
149 -قال في قوله" (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45) :"
"الظل يَتْبَعُ الشمسَ في طُولِه وقِصَرِه، كما يُتْبَعُ السائرُ الدليلَ، فإذا ارتفعت الشمسُ قَصُرَ"
الظّل، وإن انْحَطتْ طال""
قلت: فهذا لا يكون اتباعاً؛ بل يكون مخالفة. وإنما كان متابعاً لها أن
الشمس لو ارتفعت طال الظل، وإذا انحطت قصُر الظلُ.
150 -قال في قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا(51) :
"ولقَسَمْنَا الرُسل بينهم كما قَسَمْنَا المطر، فحينئذ نُخَفف عليك أعباءَ النبوةِ،"
ولكنا حَملْنَاكَ ثِقلَ نَذَارةِ جَميع القُرى لتستوجبْ بصبرك عليه ما أعتدنا لك من
الكرامة"."
قلت: والأشبه أن يكون المعنى: لو شئنا لجعلنا في كل قرية رسولاً
فيُشَارِكونَك حينئذ في شَرَف الرِسالةِ، ولكنا رَفَعْنَا شَأنك فجعلنا رسالةَ الناسِ
كافة ونبوةَ الخلق عامة إليك، لا يشارِكُكَ في هذا الشَرفِ أحد في الدنيا في
زمانك، ولا بعدك إلى يوم القيامة فاشكر لهذه النعمة ولا تطع الكافرين
وجاهدهم به جهاداً كبيراً.