(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا ادّعاؤهم التناقض في قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} و {ورَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17] ، و {بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ} [المعارج: 40] ، فإنّه باطل من وجوه:
أحدها: أنّه يمكن أن يكون أراد بالمشرق والمغرب اسم الجنس العامّ لكلّ مشرق ومغرب، فيكون المشرق والمغرب على هذا التأويل هما المشارق والمغارب وهذا نحو قوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ، و {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] ، والإنسان ونحو ذلك مما يراد به الجنس دون الواحد.
وقد يتأوّل الناس ذلك على تأويل صحيح لا تناقض فيه، وهو أنّه إنّما أراد بربّ المشرق والمغرب اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فتشرق الشمس فيه في مشرق واحد في ذلك اليوم، وتغرب في مغرب واحد أبدا في ذلك اليوم إلى أن تعود إلى الشروق والغروب فيهما لا يعود إلى مثلهما إلا بعد حول في ذلك اليوم.
فأما قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} وأنه عنى أطول يوم في السنة يشرق فيه في مشرق وتغرب في مغرب ولا تعود إلى مثلها إلا بعد سنة، والآخر أقصر يوم في السنة تشرق فيه في مشرق وتغرب في مغرب لا تعود إلى مثلها إلا بعد سنة، وأما قوله: {بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ} فإنّما أراد به مشارق أيام السنة كلّها ومغاربها، لأنّها تطلع كلّ يوم في مشرق غير المشرق الذي تطلع فيه في اليوم الثاني وكذلك غروبها تغرب كلّ يوم في مغرب غير المغرب الذي غربت فيه قبله، وعلوّ الشمس ودنوّها من العالم، وقربها وبعدها وحرّ الزمان وبرده واعتداله أحد الأدلّة على اختلاف مغاربها ومشارقها، وهذا واضح في إبطال ما ظنّوه من التناقض والاختلاف. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...