{وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي}
وذلك بعد سنين أقامها بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتواً وفساداً، وقرأ ابن كثير ونافع"أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي"بكسر النون ووصل الألف من سرى وقرئ"أن سر"من السير. {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} يتبعكم فرعون وجنوده وهو علة الأمر بالإِسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.
{فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ} حين أخبر بسراهم. {فِي المدائن حاشرين} العساكر ليتبعوهم.
{إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} على إرادة القول وإنما استقلهم وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً بالإِضافة إلى جنوده، إذ روي أنه خرج وكانت مقدمته سبعمائة ألف والشرذمة الطائفة القليلة، ومنها ثوب شراذم لما بلي وتقطع، و {قَلِيلُونَ} باعتبار أنهم أسباط كل سبط منهم قليل.
{وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} لفاعلون ما يغيظنا.
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون} وإنا لجميع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، أشار أولاً إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثاً عليه، أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان والكوفيون {حاذرون} والأول للثبات والثاني للتجدد، وقيل الحاذر المؤدي في السلاح وهو أيضاً من الحذر لأن ذلك إنما يفعل حذراً، وقرئ"حادرون"بالدال المهملة أي أقوياء قال:
أُحِبُّ الصَّبِيَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّهِ ... وَأُبْغِضُهُ مِنْ بُغْضِهَا وَهُوَ حَادِرٌ
أو تامو السلاح فإن ذلك يوجب حدارة في أجسامهم.
{فأخرجناهم} بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السبب فحملتهم عليه. {مّن جنات وَعُيُونٍ} .