فصل
قال الشيخ سيد قطب فِي الآيات السابقة:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إ}
مضت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه؛ وانتهت بتلك النهاية، وفيها البشرى للمؤمنين المستضعفين المضطهدين كما كانت القلة المؤمنة يومذاك في مكة وفيه الدمار للظالمين المتجبرين الذين يشبه موقفهم موقف المشركين.
فالآن تتبعها قصة إبراهيم عليه السلام وقومه. ويؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلوها على المشركين. ذلك أنهم يزعمون أنهم ورثة إبراهيم، وأنهم على دينه القديم؛ وهم يشركون بالله، ويقيمون الأصنام لعبادتها في بيته الحرام، الذي بناه إبراهيم خالصاً لله .. فاتل عليهم نبأ إبراهيم ليتبينوا منه حقيقة ما يزعمون.
والقصص في هذه السورة لا يتبع الخط التاريخي، لأن العبرة وحدها هي المقصودة. فأما في سورة الأعراف مثلاً فقد كان الخط التاريخي مقصوداً، لعرض خط وراثة الأرض، وتتابع الرسل من عهد آدم عليه السلام فمضى القصص فيها يتبع خط التاريخ، منذ الهبوط من الجنة، وبدء الحياة البشرية.
والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم عليه السلام هي حلقة الرسالة إلى قومه، وحواره معهم حول العقيدة، وإنكار الآلهة المدعاة، والاتجاه بالعبادة إلى الله. والتذكير باليوم الآخر. يعقب هذا مشهد كامل من مشاهد القيامة، يتنكر فيه العباد للآلهة، ويندمون على الشرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه. كأنهم قد صاروا فعلاً إلى ما هم فيه! وهنا عبرة القصة للمشركين .. ومن ثم يتوسع في الحديث عن مقومات عقيدة التوحيد، وفساد عقيدة الشرك؛ ومصير المشركين في يوم الدين. لأن التركيز متجه إليها. ويختصر ما عدا ذلك مما يفصله في سور أخرى.
وقد وردت حلقات من قصة إبراهيم عليه السلام في البقرة، والأنعام، وهود، وإبراهيم، والحجر، ومريم، والأنبياء، والحج. وكانت في كل سورة مناسبة لسياقها العام. وعرض منها ما يتفق مع موضوع السورة وجوها وظلها.