90 - {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ} ؛ أي: قرّبت وأدنيت {لِلْمُتَّقِينَ} عن الشرك والمعاصي؛ ليدخلوها بحيث يشاهدونها من الموقف، ويطلعون على ما فيها من فنون المحاسن، فيفرحون بأنهم المحشورون إليها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها، ونظرهم إليها، وهو عطف على لا ينفع، وصيغة الماضي لتحقق وقوعه، كما أن صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قرّبت مع أنها لم تنقل من مكانها؟
قلتُ: فيه قلب؛ أي: وأزلف المتقون إلى الجنة، كما يقول الحجاج إذا دنوا إلى مكة: قربت مكة إلينا، وفي هذا تعجيل لمسرتهم كفاء ما عملوا لها، ورغبوا عن الدنيا وزخرفها.
91 - {وَبُرِّزَتِ} ؛ أي: ويوم برزت وأظهرت {الْجَحِيمُ} ؛ أي: نارها {لِلْغَاوِينَ} ؛ أي: للضالين عن طريق الحق الذي هو الإيمان والتقوى؛ أي: جعلت بارزة لهم بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع الأهوال، ويوقنون بأنهم مواقعوها, ولا يجدون عنها مصرفًا، فيزدادون غمًا، والمعنى أنها أظهرت لهم قبل أن يدخلها المؤمنون ليشتد حزن الكافرين، ويكثر سرور المؤمنين، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد، فإن التبريز لا يستلزم التقريب، ثم في تقديم إزلاف الجنة إيماء إلى سبق رحمته على غضبه. وقرأ الأعمش: {فبرزت} بالفاء بدل {الواو} ، وقرأ مالك بن دينار {وبَرَزَتْ} بالفتح والتخفيف، {الْجَحِيمُ} بالرفع بإسناد الفعل إليها اتساعًا، ذكره أبو حيان.
وفي هذا تعجيل للغم والحسرة؛ إذ نسوا في دنياهم هذا اليوم، كما جاء في قوله: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) } .
92 -ثم ذكر أنه يسأل أهل النار تقريعًا لهم، فقال: {وَقِيلَ لَهُمْ} ؛ أي: للغاوين يوم القيامة على سبيل التوبيخ، والقائلون الملائكة من جهة الحق تعالى {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} في الدنيا