(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(خطر الاشتغال بعلم الكلام دون العلم)
قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم فارتقوا منابر التذكير للعوام، فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون: ليس لله في الأرض كلام. وهل المصحف إلا ورق وعفص وزاج. وإن الله ليس في السماء وإن الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله؟ كانت خرساء فأشارت إلى السماء. أي ليس هو من الأصنام التي تعبد في الأرض.
ثم يقولون: أين الحروفية الذين يزعمون أن القرآن حرف وصوت، هذا عبارة جبريل. فما زالوا كذلك حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام، وصار أحدهم يسمع فيقول هذا هو الصحيح، وإلا فالقرآن شيء يجيء به جبريل في كيس.
فشكا إلي جماعة من أهل السنة فقلت لهم اصبروا فلا بد للشبهات أن ترفع رأسها في بعض الأوقات، وإن كانت مدموغة. وللباطل جولة وللحق صولة والدجالون كثير. ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج على مثل سكة السلطان.
قال قائل: فما جوابنا عن قولهم؟ قلت: اعلم وفقك الله تعالى أن الله عز وجل ورسوله قنعا من الخلق بالإيمان بالجملة ولم يكلفهم معرفة التفاصيل.
إما لأن الاطلاع على التفاصيل يخبط العقائد وإما لأن قوى البشر تعجز عن مطالعة ذلك.
فأول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إثبات الخالق ونزل عليه القرآن بالدليل على وجود الخالق بالنظر في صنعه فقال تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} .
وقال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} .
وما زال يستدل على وجوده بمخلوقاته، وعلى قدرته بمنوعاته، ثم أثبت نبوة نبيه بمعجزاته، وكان من أعظمها القرآن الذي جاء به فعجز الخلائق عن مثله.
واكتفى بهذه الأدلة جماعة من الصحابة، ومضى على ذلك القرن الأول والمشرب صاف لم يتكدر.
وعلم الله عز وجل ما سيكون من البدع، فبالغ في إثبات الأدلة وملأ بها القرآن.
ولما كان القرآن هو منبع العلوم، وأكبر المعجزات للرسول، أكد الأمر فيه فقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} ، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} .
فأخبر أنه كلامه بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ} .
وأخبر أنه مسموع بقوله تعالى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} .
وأخبر أنه محفوظ فقال تعالى: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} .