وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} .
وأخبر أنه مكتوب ومتلو فقال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} .
إلى ما يطول شرحه من تعدد الآيات في هذه المعاني التي توجب إثبات القرآن.
ثم نزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون أتى به من قبل نفسه. فقال تعالى. {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} .
وتواعده لو فعل فقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ} .
وقال في حق الزاعم أنه كلام الخلق حين قال: {إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} .
ولما عذب كل أمة بنوع عذاب تولاه بعض الملائكة كصيحة جبريل عليه السلام بثمود، وإرسال الريح على عاد، والخسف بقارون، وقلب جبريل ديار قوم لوط عليه السلام، وإرسال الطير الأبابيل على من قصد تخريب الكعبة.
تولى هو بنفسه عقاب المكذبين بالقرآن فقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} . {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} .
وهذا لأنه أصل هذه الشرائع والمثبت لكل شريعة تقدمت. فإن جميع الملل ليس عندهم ما يدل على صحة ما كانوا فيه إلا كتابنا لأن كتبهم غُيرت وبُدلت.
وقد علم كل ذي عقل أن القائل: {إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} إنما أشار إلى ما سمعه.
ولا يختلف أولو الألباب وأهل الفهم للخطاب. أن قوله {وَإِنَّهُ} كناية عن القرآن، وقوله: {تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} كناية أيضاً عنه وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ} إشارة إلى حاضر.
وهذا أمر مستقر لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، ثم دس الشيطان دسائس البدع فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتاً غيره على دفع هذا القوم لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله عز وجل.
ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل.
ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.
وزادت فخبطت العقائد فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم.