[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال في سورة القصص: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} .
للسائل أن يسأل فيقول: في سورة النمل ما ليس في سورة القصص، والمحكي شيء واحد، والزيادة قوله: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفي سورة القصص {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} .
الجواب أن يقال: الحكايات ليس يشترط فيها إذا أديت معانيها دون ألفاظها استيعاب جميعها في مكان واحد بل يجوز أن تفرق في أماكن كثيرة، فهذا وجه، ويكون معنى {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} أي: من المرسلين الذين لا يخافون، ويجوز أن يكون {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} خارجا عن الحكاية، ويكون خبرا من الله تعالى يخبر به نبينا عليه السّلام، فيعترض بين جمل ما يحكي كما قال الله عز وجلّ فيما حكى من كلام صاحبة سبأ: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فيكون {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} غير محكي، وإنما يكون خبرا من الله تعالى معترضا بين ما حكى تصديقا لها ثم قال عائدا إلى حكاية قولها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} ، ويجوز في هذا المكان