ومن فوائد الإمام ابن رجب الحنبلي في السورة الكريمة:
قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ(19)
قال ابن الجوزي في"المقتبس"سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) .
قال: هذا من تمام برّ الوالدين.
كأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ
عز وجل، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليَقُوم
بما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرا.
قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا)
وقال ابنُ عيينةَ:"لا إله إلا اللَّهُ لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا".
وكذلكَ ترنُّمهم بالقرآنِ وسماعهُم لهُ، وأعلاه: سماعُه من اللَّهِ جلَّ جلالُه
وتقدستْ أسماؤُه، فأينَ هذا من تلاوةِ أهلِ الدنيا وذكرِهم؛ وأمَّا سائرُ
العباداتِ: فما كانَ منها فيه مشقةٌ على الأبدانِ فإنَّ أهلَ الجنةِ قد أُسقطَ ذلك عنْهم؛ وكذلكَ ما فيه نوعُ ذلٍّ وخضوع كالسجودِ ونحوهِ.
وأما ما في العباداتِ من النعيم الحاصلِ بها لأهلِ المعرفةِ في الدُّنيا، فإنَّه
يحصلُ في الجنةِ أضعافًا مع راحةِ البدنِ من مشقةِ التكليفِ التي في الدُّنيا
فتجتمعُ لهم راحةُ القلبِ والبدنِ على أكملِ الوجوهِ.
وهذا مثلُ الصلاةِ، فإن العارفينَ في الدُّنيا إنما يتنعمونَ بما فِيهَا منَ الناجاةِ
وآثارِ القربِ، وما يرِدُ عليهم من الوارداتِ في تلاوةِ الكتابِ ونحوِ ذلكَ من
نعيم القلوبِ، وربما يستغرقونَ به عن الشعورِ بتعبِ الأبدانِ فهذا القدرُ الذي